ابن قيم الجوزية

606

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

لقوة أسبابها ، وكمالها ونقصانها لنقصانها ، فمن كمّل أسباب النعيم واللذة كملت له غاياتها ، ومن حرمها حرمها ، ومن نقصها نقص له من غاياتها ، وعلى هذا قام الجزاء بالقسط والثواب والعقاب ، وكفى بهذا العالم شاهدا لذلك ، فربّ الدنيا والآخرة واحد ، وحكمته مطّردة فيهما ، وله الحمد في الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون . يوضحه الوجه الرابع والثلاثون : وهو أنّ أفضل العطاء وأجلّه على الإطلاق الإيمان وجزاؤه ، وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار قال تعالى : ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ( 3 ) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 4 ) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 5 ) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) [ العنكبوت ] . فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لا بد أن يمتحن خلقه ، ويفتنهم ، ليتبين الصادق من الكاذب ، والمؤمن من الكافر ، ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره ، وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل ، وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا ، وهم الرّسل وأتباعهم ، وعاقبة أمرهم ، وما صاروا إليه ، وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه الدار ، إذا ادّعى الإيمان ، وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك ، وأخبر عن سرّ هذه الفتنة والمحنة ، وهو تبيين الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر ، وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه ، ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم ، بل بمعلومه إذا وجد وتحقّق ، والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود ، فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه ، ثم أنكر سبحانه على من لم يلتزم الإيمان به ، ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله وأتباعهم ، ظنه وحسبانه أنه